احترام الذات (2)
بقلم د.تهاني الصغيّر
حين يتحوّل ما نعرفه عن أنفسنا إلى طريقة نعيش بها
في الجزء الأول، كنت أبحث في معنى احترام الذات: من أين يأتي؟ وكيف يتشكّل؟ ولماذا لا يكفي أن نقول لأنفسنا كلمات جميلة كي نشعر به فعلًا؟
لكن السؤال الذي بقي معي بعد ذلك كان أكثر قربًا من الحياة:
كيف أعرف أنني أحترم نفسي فعلًا؟
ليس فيما أقوله عنها فقط، ولا في مقدار ثقتي الظاهرة، وإنما في الطريقة التي أختار بها، وأرفض، وأحب، وأعمل، وأواجه الخسارة.
لأن احترام الذات، في النهاية، لا يظهر في الأفكار الكبيرة بقدر ما يظهر في التفاصيل الصغيرة التي نعيشها كل يوم.
احترام الذات حين نختار
ربما يظهر احترام الذات بوضوح في علاقتنا بالقرار.
فالشخص الذي يستند إلى أرضية داخلية مستقرة لا يحتاج إلى القرار المثالي طوال الوقت، ولا يتعامل مع كل اختيار وكأنه امتحان لقيمته أو ذكائه.
يفكّر، يتأنّى، يختار، ثم يقبل احتمال أن يكون اختياره غير كامل.
وهذه القدرة على احتمال الخطأ مهمة؛ لأن بعضنا لا يخاف الخطأ ذاته بقدر ما يخاف المعنى الذي سيعطيه له:
إذا أخطأت، فهل يعني أنني لست جيدًا بما يكفي؟
إذا اخترت طريقًا ثم اكتشفت أن طريقًا آخر كان أفضل، هل يعني أنني فشلت؟
احترام الذات يفصل بين الأمرين.
قد تُخطئ، دون أن تكون أنت خطأ.
وقد تتراجع عن قرار، دون أن تتراجع قيمتك.
وقد تعيد الاختيار، لا لأنك ضعيف، بل لأنك تعلّمت شيئًا لم تكن تعرفه عندما بدأت.
احترام الذات حين نضع الحدود
والحدود من أكثر الأماكن التي تُختبر فيها علاقتنا بأنفسنا.
فالحدود لا تعني بناء جدران بيننا وبين الآخرين، ولا تعني أن نصبح أقل محبة أو أقل مرونة.
هي ببساطة أن تعرف أين تنتهي مساحة الآخر وتبدأ مساحتك.
ماذا تقبل؟
وماذا يؤذيك؟
وما الذي تستطيع تقديمه بمحبة، وما الذي حين تقدمه تبدأ بفقد نفسك؟
من يحترم نفسه لا يحتاج إلى إعلان حدوده بعدوانية، ولا إلى تبريرها في كل مرة.
يستطيع أن يقول: «هذا لا يناسبني»، دون أن يحوّلها إلى معركة.
ويستطيع أن يرفض دون أن يقضي بقية اليوم وهو يشعر بالذنب لأنه لم يكن الشخص الذي أراده الآخرون.
ربما لهذا تكون الحدود مؤلمة في بدايتها؛ لأنها لا تكشف علاقتنا بالآخرين فقط، بل تكشف كذلك مقدار خوفنا من فقد محبتهم عندما نختار أنفسنا.
احترام الذات في العلاقات
وفي العلاقات العاطفية تحديدًا، يظهر الفرق بين أن تدخل العلاقة لأنك تريدها، وأن تدخلها لأنك تحتاجها كي تشعر أنك مكتمل.
حين ننتظر من الآخر أن يعالج كل نقص في داخلنا، فإننا نضع على العلاقة عبئًا أكبر من قدرتها.
نُعظّم الشريك، ونُصغّر أنفسنا.
ننتظر منه الطمأنينة، والقيمة، والأمان، والاعتراف، وربما إجابة السؤال الأعمق: هل أنا جدير بالحب؟
وحين يعجز — وهو سيعجز بالضرورة — عن منحنا كل ذلك، لا نشعر فقط بأن العلاقة خيّبتنا، بل نشعر وكأن شيئًا فينا انهار معها.
أما احترام الذات فلا يجعلنا أقل احتياجًا للحب.
لكنه يجعل الحب إضافة إلى حياتنا، لا الدليل الوحيد على قيمتنا فيها.
نحب الآخر، ونحتاجه، ونشتاق إليه، لكننا لا نسلمه المهمة الكاملة في تعريفنا لأنفسنا.
احترام الذات في النجاح
ويحدث الأمر ذاته في العمل والإنجاز.
يمكن لشخصين أن يحققا الإنجاز نفسه، بينما تكون الرحلة الداخلية لكل منهما مختلفة تمامًا.
أحدهما يعمل لأنه يريد أن يتعلّم، ويُتقن، ويضيف، ويصنع شيئًا له معنى.
والآخر يعمل وكأنه في سباق دائم لإثبات شيء ما:
أنني جيد.
أنني أستحق مكاني.
أنني أفضل مما ظنوا.
أنني لست الشخص الذي تجاهلوه ذات يوم.
المشكلة ليست في الطموح، ولا في الرغبة في النجاح.
المشكلة أن نطلب من النجاح أن يعالج جرحًا لم يصنعه النجاح أصلًا.
فقد تصل إلى المكان الذي كنت تعتقد أنه سيجعلك تشعر بأنك كافٍ، ثم تكتشف أن الشعور لم يصل معك.
فتبحث عن إنجاز آخر.
ثم آخر.
ويتحول النجاح من مساحة للخلق والإسهام إلى محاولة مستمرة للحصول على اعتراف داخلي لا يستطيع العالم الخارجي أن يمنحه كاملًا.
احترام الذات لا يقلل الطموح.
ربما يحرره.
لأنك حين لا تعمل لتثبت أنك تستحق، يصبح لديك طاقة أكبر لكي تعمل لأن ما تقوم به يستحق.
حين تُهزّ الأرضية
لكن الاختبار الأصعب لاحترام الذات لا يأتي في الأيام العادية.
يأتي حين يُرفض الإنسان.
حين يفقد.
حين يفشل.
حين تنتهي علاقة كان يعتقد أنها ستستمر.
وحين لا تأتي الفرصة التي استعد لها طويلًا.
في هذه اللحظات، الألم طبيعي.
احترام الذات لا يصنع إنسانًا لا يحزن ولا ينكسر خاطره.
لكنه قد يمنعه من إضافة ألم آخر إلى الألم الأصلي:
هل حدث هذا لأنني بلا قيمة؟
وهنا يصبح الفرق كبيرًا.
يمكنك أن تقول:
هذه الخسارة تؤلمني.
هذا الرفض أوجعني.
كنت أتمنى نهاية مختلفة.
دون أن تقول:
إذن لا أحد يريدني.
إذن أنا فاشل.
إذن هناك شيء ناقص فيّ.
في كتابات كريستين نيف عن الرحمة بالذات يظهر معنى مهم: أن القوة النفسية لا تُبنى دائمًا عبر القسوة على النفس ودفعها إلى الوقوف بسرعة، بل أحيانًا عبر القدرة على الاعتراف بالألم دون تحويله إلى إدانة للذات.
أن تقول لنفسك وسط الأزمة:
هذا صعب فعلًا.
لا لكي تبقى في مكانك، وإنما لكي تتوقف عن محاربة نفسك بينما تحاول أصلًا أن تتجاوز ما حدث.
هل احترام الذات أنانية؟
كلما تحدثنا عن احترام الذات ظهرت مخاوف مألوفة:
هل يؤدي الاهتمام بالنفس إلى الأنانية؟
وهل الاعتقاد بأنني أستحق يتحول إلى تعالٍ؟
أظن أن الفرق بينهما أعمق مما يبدو.
الأنانية تقول: عليّ أن أحصل على حصتي حتى لو خسر الآخرون.
أما احترام الذات فيقول: أستطيع أن أعطي، لكن ليس بالطريقة التي تلغي وجودي.
والتعالي يحتاج إلى المقارنة:
أنا أفضل منك.
أما احترام الذات فلا يحتاج أصلًا إلى هذه المعادلة.
هو أقرب إلى فكرة بسيطة جدًا:
أنا كافٍ، ولست بحاجة إلى أن تكون أقل حتى أكون أكثر.
وربما لهذا يكون الإنسان الذي استقر في علاقته بنفسه أكثر قدرة على الاحتفاء بالآخرين؛ لأنه لا يشعر أن نجاحهم يسحب شيئًا من رصيده.
احترام الذات في اليومي الصغير
ورغم كل هذا الحديث، لا أظن أن احترام الذات يُبنى في لحظة كشف عظيمة.
لا نستيقظ يومًا وقد انتهت أسئلتنا القديمة كلها.
هو شيء يتكوّن بهدوء.
في كل مرة تفي فيها بوعد قطعته لنفسك.
في كل مرة تنتبه إلى صوتك الداخلي قبل أن تصدّقه.
في كل مرة تسأل:
هل ما أقوله لنفسي الآن حقيقة؟
أم أنه صدى لصوت قديم؟
وفي كل مرة تتعامل فيها مع احتياجاتك باعتبارها معلومات تستحق أن تُفهم، لا دليلًا على أنك شخص كثير المطالب.
وربما تساعد الكتابة هنا لأنها تمنحنا مسافة بيننا وبين التجربة؛ نكتب ما حدث فنراه بطريقة لم نكن نستطيع رؤيتها ونحن في داخله.
وتبدأ الحدود بالطريقة ذاتها:
«لا» صغيرة هنا.
طلب واضح هناك.
توقف عن تفسير زائد.
وتوقف عن الاعتذار في كل مرة نحتاج فيها إلى السؤال، أو الرفض، أو التعبير عن رأي مختلف.
إنها ممارسات تبدو صغيرة، لكنها ترسل للنفس رسالة متكررة:
أنا أسمعك.
وأراك.
ووجودك في هذه الحياة لا يحتاج إلى اعتذار.
الأرض التي تقف عليها
كلما فكرت في احترام الذات، بدا لي أقل شبهًا بالثقة العالية، وأكثر شبهًا بالأرض.
قد تهتز الأرض أحيانًا.
قد نسقط.
قد نتردد.
وقد ننسى كل ما تعلّمناه للحظة.
لكن الفرق أن هناك مكانًا داخليًا نستطيع العودة إليه.
احترام الذات ليس جائزة نحصل عليها بعد إنجاز ما، ولا صفة محجوزة لمن عاشوا طفولة مثالية أو عرفوا أنفسهم مبكرًا.
إنه علاقة.
وعلاقة النفس بالنفس، مثل كل علاقة مهمة، تحتاج إلى وعي، وممارسة، وتصحيح، ورحمة.
وربما تكون الجملة الأعمق فيها هي:
أنا موجود، وهذا الوجود مشروع.
وحين تصبح هذه الفكرة أرضًا داخلية، لا نصبح أقل تأثرًا بالعالم.
بل ربما نصبح أكثر قدرة على الحضور فيه.
لأن جزءًا كبيرًا من طاقتنا لم يعد يُستهلك في حماية صورتنا، أو تفسير أنفسنا، أو إثبات أننا نستحق المكان.
فنستطيع أن نوجّه تلك الطاقة إلى ما هو أهم:
أن نحب.
أن نعمل.
أن نتعلّم.
أن نخطئ.
وأن نعيش دون أن تكون حياتنا كلها محاولة للحصول على تصريح من أحد بأننا نستحقها.
وربما هذه إحدى أجمل صور الحرية النفسية:
ألا تستغني عن الآخرين، بل ألا تضيع نفسك وأنت بينهم.