احترام الذات (١)

بقلم د.تهاني الصغيّر

ثمة لحظة يقف فيها الإنسان أمام المرآة، حين يُعرض عليه موقف يستدعي أن يقول “لا”، أو أن يطلب ما يستحق، أو أن يُقِرّ بخطئه دون أن يتهدّم. في تلك اللحظة تحديداً، لا

كثيراً ما تختلط علينا المفاهيم في هذا الحقل الدقيق. فهناك مفاهيم متقاربة حيث أن الثقة بالنفس هي معرفة قدراتك، وهي نسبية تتغير بتغيّر المجال؛ قد تثق بنفسك طبيباً وتفتقر إليها معلّماً. وتقدير الذات وفق مفهوم ناثانيال براندن، هو التقييم الذي تمنحه لنفسك، وهو مرتبط بالكفاءة والفاعلية. أما احترام الذات فهو شيء سابق لكليهما وأعمق من كليهما؛ إنه الإقرار الهادئ بأنك تستحق أن تُعامَل بكرامة من الآخرين، ومن نفسك بصرف النظر عمّا تُنجزه أو عمّا يظنه الناس فيك. إنه الأرضية، لا البناء.

وتبدأ من قصتنا الآولى حيث لا يأتي الإنسان إلى الحياة وفي نفسه سؤال عن قيمته؛ هذا السؤال يُزرع فيه زرعاً. يولد الطفل بحاجة بيولوجية جوهرية، لا تقلّ أهمية عن الطعام والدفء، وهي الحاجة أن يُرى ويُسمع،وفي مرحلة تسبق اللغة ، يبدأ الطفل في تشكيل ما يسمّيه كارل روجرز “المفهوم الذاتي” صورة عن النفس تتكوّن من رسائل البيئة حوله قبل أن تتكوّن من التجربة الذاتية.

فحين يُخطئ طفل ثلاث سنوات ويكسر كوباً، فهناك ثمة فارق هائل بين من يسمع: (ما بالك! دائماً تكسر الأشياء!) ومن يسمع: (إنها مشكلة صغيرة، وهيّا نرتّبها معاً)الجملة الأولى لا تُعلّق على الفعل، بل تُعلّق على الكيان. وتلك التعليقات المتراكمة، يوماً بعد يوم، تُبنى لبنةً فوق لبنة في الهياكل العصبية الأعمق، حتى تُصبح في مرحلة ما صوتاً داخلياً يبدو للإنسان أنه صوته هو.

ودور الأسرة، في هذا السياق، ليست مجرد بيئة تربوية؛ هي المختبر الأول الذي يتعلم فيه الطفل إجابة السؤال الوجودي: “هل أنا كافٍ؟” ليس بالكلمات، بل بطريقة التعامل مع بكائه، ومع فضوله، ومع فشله، ومع تميّزه. الوالد الذي يستقبل مشاعر طفله دون تهوين ودون إطراء مزيّف يُعلّمه بالفعل قبل القول: (مشاعرك مشروعة، وأنت مشروع).

ثم نحن نكبر ونغادر بيت الطفولة، لكن المرايا الداخلية تبقى. تلك المرايا تتجلى لاحقاً في الصداقات وفي الشراكات وفي بيئات العمل. حين تجد نفسك تُبالغ في الاعتذار على أشياء لا تستوجب اعتذاراً، أو تقبل ما يُسيء إليك خشية الوحدة، أو تتلوّن تلقائياً مع كل شخص تقابله فهذا لا يعني أنك (اجتماعي بطبعك)؛ هذا قد يعني أن شخصاً ما علّمك مبكراً أن وجودك مشروط. وكما يفيد العلماء الذين بحثوا نظرية التعلق إن الأطفال الذين نشأوا في بيئات غير متسقة حيث يكون الوالد محبّاً حيناً وعقابياً حيناً دون منطق واضح يتعلمون استراتيجية التكيّف بإبقاء أنفسهم في حالة يقظة دائمة لمزاج الآخر. هؤلاء يحملون هذه الاستراتيجية إلى علاقاتهم البالغة: يُراقبون، يتحسّسون، يضبطون أنفسهم بحسب الآخر ، وينسون أن يسألوا: “وما الذي أريده أنا؟”

كذلك النجاحات والإخفاقات تُسهم هي الأخرى في هذه الرسومات الداخلية، لكن بطريقة أكثر تعقيداً مما نظن. فالإخفاق لا يضرب احترام الذات بذاته؛ ما يضرب احترام الذات هو الرسالة التي نستخلصها من الإخفاق. الشخص الذي تعلّم أن قيمته مشروطة بالنجاح يرى في كل فشل دليلاً على نقصه الجوهري. أما الشخص الذي بنى علاقة صحية مع ذاته فيرى في الفشل معلومةً، لا حكماً.

ونتساءل لماذا نبحث عن قيمتنا في عيون الآخرين؟ وهنا تشرح كريستين نيف المتخصصة في الرحمة الذاتية أن كثيراً منا يبحث عن ما تسمّيه “احترام الذات المُستحَق” contingent self-esteem، أي احترام الذات المرتبط بالأداء والموافقة الخارجية، أنه هشّ بطبيعته؛ لأن مصدره خارجي، فيتبع تقلّبات الخارج.

لكن قبل ذلك لماذا يحدث هذا أصلاً؟ لأن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، وقبول الجماعة كان تاريخياً شرطاً للبقاء. الرفض الاجتماعي يُشغّل في الدماغ المناطق ذاتها التي يُشغّلها الألم الجسدي، وهذا ليس مجازاً بل نتيجة تجريبية. من هنا جاءت الحاجة إلى الموافقة؛ إنها ليست ضعفاً أخلاقياً، بل موروث تطوري. المشكلة تظهر حين يتحول هذا الموروث من أداة تكيّف اجتماعي إلى سجن يُقرر فيه الآخر ما إذا كنت تستحق أن تشغل مساحتك أو أن تُعبّر عن رأيك أو أن تضع حدوداً.

الشخص الذي ربط قيمته برضا الآخرين لا يكذب بالضرورة ولا يُقنّع بالضرورة؛ هو في الغالب لا يعرف ماذا يريد لأنه لم يتعلم يوماً أن يسأل نفسه بهدوء لأن السؤال ذاته بدا له ترفاً أو أنانية

وحين يكون احترام الذات راسخاً، فهو لا يغيّر شعوراً بعينه هو يُغيّر نمط الحياة بأكمله.

اقرأ المقال كاملاً